نقطة و من أول السطر !!!
"سالومي"....ومبدع من زمن القياصرة!!
رمزي حلمي لوقا ...شاعر بقدر الإبداع !!!
لست من عشاق المسرح بطبعي, لم يشدهني غير عملين طيلة عمري الممتد أزمانا لا اذكر عددها, أولهما "سكة السلامة", للمبدعة "سميحة أيوب", والعبقري "شفيق نور الدين"!!!
كنت صغيرا, لم أتجاوز العاشرة عمرا, لم يكن في القرية غير تلفاز واحد, يعمل ببطارية سيارة, كنا نجتمع نحن صبية القرية عنده في المساء, كضيوف ثقال, مسموح لنا بمشاهدة المسلسل التلفزيوني وحسب، ثم تأمرنا عيون الرجل بالرحيل, حين يطفئه, وينزع عنه كوابله, ويضع عليه بردة زوجته, فتعود الدنيا إلى ظلامها الدامس, فنخرج من بيته, نمني النفس بمزيد من مشاهدة أخرى, فلا يسمح شح الرجل بالأمر !!! رحمه الله تعالى..
كنت أنتظر الذهاب إلى بيت الخال الحبيب، أو بيت الجد الغالي في مدينة "قنا", كان "التيار الكهربي" هناك مستداما, وكانت البيوت بيوتنا, ولم يفعلها الأخوال الأحبة, كما كان يفعلها الرجل مع الرفاق !!! كانت تلتصق مخيلتي بشاشته, فلا أبرحها منذ أتيت, حتى تقرر أمي (رحمها الله) الرحيل!!!
كان الخال الحبيب"منتصر" يعشق المسرحيات, و"فيروز" معها, أجبرني ادبي معه أن أمتثل لمشاهدتها, انبهرت بالنهاية, حين قررت (السيدة اللعوب), أن تجمع بطاقات الرجال, بعد أن ألقت بها, حين فرج الله عليهم من بعد تيه في الصحراء, وبمرور العمر, عرفت أننا نشبه تلك المرأة اللعوب, حين يخالجنا الخوف, نبتهل حينها إلى الله, وحين يرفع الضر عنا, نعود إلى أقبح ما كنا فيه, لينطبق علينا قول عز من قائل "وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"!!!
العمل الٱخر, كان في المسرح القومي, حضر خالي الحبيب الاستاذ "ضياء", رحمه الله, لزيارتنا في القاهرة, وكان درعميا شاعرا مثقفا بليغا راقيا, ليفاجىئني في المساء بطلبه أن ارافقه ٱلى هناك, تعجبت من طلبه, لم افعلها طيلة عمري, لوحة ضخمة على واجهته بميدان الأوبرا, "عطيل". سألته من"عطيل" هذا؟!!, هل هو شخص لا يجد عملا, فتبسم بإبوة عهدتها دوما معه, ثم أجابني "صبرا ياأبن شقيقتي", شاهد وحسب, وأستمتع بما سوف تراه!!"
انبهرت بما رأيته, وظللت مركزا في مشهدية واحدة ولا غيرها, هذا الموج الأسود المظلم الحالك الظلمة, والذي ينثال من رأس "رانيا فريد شوقي" ممتدا من فروة رأسها, حتى قدميها عند خشبة المسرح, عمرها في ذاك الحين لم يكن يتجاوز العشرين ربيعا, وطيلة الوقت وبعيدا عن هذا الضجيج الإغريقي, لم يكن يشغلني غير أمر واحد, هل هو شعرها؟, أم هو هذا الذي رهنته " نعسة" لتشتري الطعام لزوجها وبنيها؟!!
وعدنا دون أن أعرف من هو "عطيل", وهل وجد عملا, ام رحل دون أن يجد للأمر سبيلا !!!
لكن !!!
عند هنا, ووجب الوقوف فرضا وسنة, أمام إبداع شاعر سامق رائع محيط, ظاهرة بكل ما في الكلمة من معنى, ليس نفاقا ولا تطبيلا ولا ما يشبه كل رث محبط, يحيط بواقعنا المزري!!!
ظاهرة تستحق التدبر والعناية والرعاية, وتسليط الضوء عليها بما يناسب قدرها وإبداعها، دون هذا الغل ودون النفسنة,، ودون هذا التحدب النفسي في أوساطنا الثقافية "المقعرة"، بعيدا عن الكبار الصغار, و أخماس وأسداس المبدعين, المتلونين والراقصين تحت أحزمة الضوء المصطنع, و المعتمين رغم براعة صناعة الشموس فوق رؤوسهم, لنجد هذا المدار المتسع من الإبداع, يضوي بعيدا عن مسارات عتمة ما نحن فيه, لنجد رجلا بسيطا, ليس درعميا ولا تربويا ولا ديدبيا ولا أكاديميا ولا بروفسيريا, يفرض علينا وجوده بوريقة لا علاقة بينها وبين إبداع, تجله و تقدره, وتقف مشدوها بين جلال إبداعه وعظمته!!!
لعن الله البيروقراطية, و التشلل, والنفاق، ولعق الأحذية في هذا الوطن الغالي!!
"سالومي", عمل مسرحي رائع, حقا!!, من لم يقرأ, مات يتيما!!,
لغة وإسقاطا, و خيالا, وحكيا وشعرا وسردا, وتاريخا, منظومة متناسقة كشجرة "أرز" على تلال "بيروت", تفضح قبح ما يمر على أبصارنا من غثاء سيل جارف من أدعياء الإبداع من هنا وهناك, منظومة تقف مشدوها بين أسطرها, وكأنها قلادة عقيق' تنظر بريقها, فلا يسعك إلا أن تكرر قول الله عز وجل: "بسم الله, ما شاء الله, و لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم", وتنتهي بخاطرة في طيات ذهنك، "صدق المبدعون, ولو نُكروا"!!
"يحيي", عليه السلام، "يوحنا", باللغة القبطيه, و "هيرودس", سياف عصر الشهداء, و "هيروديا" زوجته التي انتزعها من شقيقه, وإبنتها "سالومي" صاحبة الرقصة المشهورة , عاشقة "يحيي المعمدان", و شمشون سجان القصر, وعصور تشبه عصور, في إسقاط مدهش' يقينا لم يتعمده الرجل, فالرجل مسالم بطبعه, يشبه كل قبط مصر البسطاء, لا يُسقٖطون ' ولا ينمون, ولا يعترضون !!!
ترى الرجل يتحدث عن عصور غابرة, وكأن ما كان, يشبه كله ما نحن فيه, جاء يقينا صدفة ولم يتعمده الرجل على الإطلاق !!!
الرجل ظاهرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى, أناشد و بقدري الضئيل, السيد وزير الثقافة, و كل مسئول عن رفع قدر المستحقين لإعلاء قدرهم في هذا الوطن المقلوب, أن يحقوا الرجل حقه, مناشدا معهم السيد / رئيس اتحاد الكتاب, سائلا إياه, أن يتفضل بإعلاء قيمة الإبداع فوق المعوقات الروتينية, وان يتفضل بإيجاد آلية تسمح برعاية تلك القامات التي لم يمكنها ما نحن فيه من عوج مجتمعي, أن تملك ما يضعها في نصابها الحقيق !!!
فخور بك يا رجل, ورغم قدري الضئيل أيضا, فلا تجزع!! أعدك بأنك يوما وليس ببعيد, سوف تشرق شمسك لتملأ علينا الأرض نورا !!!
لا تجزع!! سوف يكون كل شيء بألف خير, رغم عتمة ما نحن فيه !!
محمد عواد السماني
جزء من العمل
: لا يَأبَهُ كُلُّ طَوَاغِيتَ العَالَم بِشَرِيعَةِ رَبٍّ أو دَيَّان
( يهودي١) :هِيرُودُس ــ وَالِينَا الأعظَم ــ يَطمَعُ في امرَأةِ أخِيهِ فِيلُبُّس
ويُضَاجِعُهَا الآنَ مُضَاجَعَةَ الأزوَاج
( يهودي٢) : لم يَنسَ أن يِتَخَلَّصَ مِن جِسمِ جَرِيمَتِهِ الشَّنعَاء
(يهودي٤) : لِيَضُمَّ المَرأةَ هِيرُوديَا لِنِسَاءِ القَصر
(يهودي٥) : ثُمَّ لِيُعلِنَهَا زَوجًا وشَرِيكًا في الحُكم
(باراباس) : عَائِلَةٌ تَمتَلِئُ فَسادًا
(يهودي٤) : قَتلٌ وزِنَى … سَبيٌ وفُجُورٌ … كَسرٌ لِوَصَايَا الرَّب
(يهودي٣) : تَارِيخٌ دَمَوِيٌّ بَائِس
(يهودي١) : وَضَعُوا أنفُسَهُم آلِهَةً فَوقَ كَرَاسِي المُلك
(يهودي٥) : والشَّعبُ فَقِيرٌ وجُبَاةُ الجِزيَةِ والعَشَارُونَ بلارَحمَة
(باراباس) : كي تَدخُلَ فِلسَاتُ الفقراءِ الدُنيَا في عُبِّ القَيصَر في روما
(يهودي٢) : أو عُبِّ هيرودس أنتيباس كي يَبنيَ قَصرًا تِلوَ الآخَر
(يهودي١) : ما أعظَم قَصر الوَالي …كَم كَلَّفَ مِن أموَال!
(يهودي٤) : قَد صَعَدَ بَعِيدًا في أقصَى عَتَبَاتِ الجَبَلِ الصَّاعِدِ في خُيَلاء
(يهودي٣) : كي يَبعُدَ عن خَطَرِ السُّوقَةِ والثُّوَار
(يهودي٥) : بل يُبعَدَ عن سِحنَةِ فُقَرَاءِ الشَعبِ الغَاضِبِ والدَهمَاء
(باراباس) : يَتَحَصَّن عَنهُم في قِمَّةِ جَبَلٍ وقِلَاعٍ وثَلاثَةِ أبرَاجٍ عُليَا
(يهودي٢) : وجنُودٍ لا تَعرِفُ إلّا العُنفَ وسَفكَ الدَم
(باراباس) : أو لا تَعرِفُ إلّا الرِشوَة والسِّرقَة والنَهب
(يهودي٣) : يَبتَعِدُ الوَالِي كي لا تَمتَدُ علَيهِ الأيدِي بِالغِيلَةِ والثَأر
(يهودي١) : يَتَنَاسَي ضَرَبَاتِ الرَّبِّ ونِقمَتَه
(يهودي٥) : هل يَنسَى صَرَخَاتِ أبِيهِ مِن الآلامِ القُصوَى
في مَرضِ المَوتِ بآخرِ أيَامِه؟
(باراباس) : يُحكَى أن هيرودس هذا قد حَاوَلَ أن يَقتُلَ نَفسَه
مِن قَسوَةِ ما عَانَي مِن ألَمٍ مُبرِح
(يهودي٢) : إذ طَلَبَ التُفَاحَ لِيَأكُلَ من بين الأوجَاعِ الكُبرى
بَدَأت صَرخَاتُ الهَذَيَانِ : اعطُونِي السِّكِينَ لأقطَع تُفَاحِي
اعطُونِي السكِينَ لآكُل

