مَا عُدتُ أَعرِفُ..تحليل الدكتورة جيني فؤاد للقصيدة




مَا عُدتُ أَعرِفُ
...
مَا عُدتُ أَعرِفُ
  فِي لَيَالِيكِ العَنِيدةِ وِجهَتِي

   وَ كَرِهتُ ظِلٍّا
 قَد تَشَوَّه تَحتَ حَيرَةِ خُطوَتِِي 

أَغرَيتِنِي
 فرددت عَن دِفءِ
  الدِّيَارِ لَفَظتَهُ
 وَ سَعَيتُ أَغزِلُ 
مِن لَهَيبٍ لَوعَتِي

 أَشقَيتِنِي
 وَ نِصَالُ غَدرِكِ
 مِثلَ ثَوبٍ شَقَّنِي
 وَ غَرِقتُ فى
 دَمعِِي أُغَالِبُ مِيتَتِي

 مَن أَرسَل الهَذَيَانَ 
كَالطَوَفَانِ نَحوَ مَدِينَتِي ! 
 و استَوطَنَت كُلَّ العَوَاصِمِ
 فِى نَزِيفِ خَرِيطَتِي 
 
 رُحمَاكِ
 إنِّى عَالِقٌ فِى ظُلمَتِي
 إنِّى عَشِقتُك
 تِلكَ كُلُّ جَرِيرَتِِي

 فَتَحَنَّنِي
 مَا عُدتُ أفضَحُ فى غَبَاءٍ
 حَينَ أعشَقُ صَبوَتِي

   ضُمِّى رَمَادِيَّ
 مِثلَ قَبرٍ
 حَينَ أَبلُغُ فِى النِهَايَةِ غَايَتِي
 ؛؛؛؛؛؛؛؛؛ 
 كلمات
 رمزى حلمى لوقا
 يناير ٢٠٢٠ 


 كلمة الدكتورة جيني فؤاد تعليقاً على القصيدة

  تحياتى لهذا الإبداع شاعرنا الرائع .. ماذا نقول وكيف نعبر ونحن أمام هذا الفكر المتدفق فى اعتمالاته ولواعجه .. فى البداية.. لن نعبر دفء الديار قبل أن نستمهله ونستوضحه سيدى .. دفء عبرت عنه الأبيات ليس بالكره فقط وإنما بما هو أشد وأقسى!.. "لفظته ".. لا أدرى ماذا أقول .. جبارة هذه الكلمة وعظيمة هذه اللغة ومبدع هذا الفكر الذى يشعل اللغة ويصيغ الشعور ثورة ناطقة .. دعنا نقر سيدى أن دفء الديار هذا فى ظرفه ومدعاته هو أصل السؤال .. اللوعة أنفاسا تضطرم .. الغواية حاضرة وهى دسيسة الإحساس دوما .. "وكرهت ظلًا قد تشوه تحت حيرة خطوتى " ما أصدق هذه القدرة المتفانية فى عتاب النفس .. فهو لم يعد كيانًا لامرئيا فحسب .. بل غدا بعد ما تبقى من الإغراق والتوق .. الظل فقط !.. وحتى هذا الظل بات مشوهًا تحت وطأة الحيرة وثقل خطوتها المستبيحة .. "تحت" هذا الظرف الموغل فى الإنكسار تحديدًا ما يتجلى من خلاله المعنى ، وبالأحرى ما ينضو عنه كل ما يدل على الكبرياء الجريح فى الحالة الشعورية الشائهة.. منذ الأزل سيدى والليالي قالت كلمتها .. بالإنابة .. بالمعرفة الوثيقة اللصيقة كشفت عن لونها وديدنها .. والقلب العاشق رغم يقينه بهذا العناد المجاهر إلا أنه فى دنيا الشعور لم يسد العناد يوما إلا المزيد من التيه والوله !.. هكذا كانت أخبار أهل القلوب وهكذا علمنا عنهم ، عن جنونهم وشتاتهم وعن لواعج حروفهم .. ولكن الغريب أن تجربة الحب دائما ما تجب ما قبلها وتشرع فى كتابة طقوسها وخصوصيتها وكأن لم يطل سمعها من الخيبات خبرا!.. بوصلة القلوب لم تخطئ هذا الشرود المشبوب يوما بل البرهان الخافق فى "ما عدت أعرف " هو منتهى التسليم لذاك العناد الشهير .. "أشقيتنى" .. بلى هو الشقاء فى معناه المجتبى!.. وبلى كم استشعرنا لهيب الألم المنضود برجاء القلب .. لم يتجرع فقط الشقاء وهو المحنة الأقسى بل أسعفه الغدر الذى شطر النفس وطفق يطعن ويستبيح ويستنزف .. الصورة فى هذا البيت بديعة بديعة بصدق شاعرنا الرائع .. "وغرقت فى دمعى أغالب ميتتى "..ياالله .. قمة التعبير عن الألم والإنكسار والتلاشي .."غرقت ".."أغالب".."ميتتى".. كل مفردة فى هذا البيت هى قصة مكابدة تحكى عن ذاتها .. هى قصة صراع تدور رحاه بين حنايا النفس الجريحة .. والعجيب أن مغالبة الموت فى تلك اللحظات الأليمة هو قمة الحياة لو علمت تلك القلوب اللاهثة .. بل لعلها تعلم وتدرى .. بل هى تحيا الرجاء والزود والإنكار واللجوء على طريقتها المتفردة فى الحياة والموت !.. وعبر هذه الإلياذة العشقية الملتبسة تكمن وتحيا روعة الحب وشموخه وقدسيته .. القلوب هى من ترسل الهذيان وتهفو إليه وتلوذ به سيدى .. القلوب هى من تظل حياة وعمرا تتوق إلى هذا الطوفان وتلبيه بكل ما اضطرمت وامتلكت من طاقة الخفق والشغف .. المدن ما هى إلا مرفأ ظامئ ساكن يترقب لحظة الطوفان القدرية المتدفقة الفياضة تلك .. قدر نسعى إليه فى ذات الوقت الذى ندعى فيه ذلك السؤال المتنصل وكأنه رباط الذات وحصنها ومنعتها الأخيرة "من أرسل الهذيان كالطوفان نحو مدينتى!".. هذه آخر معاقل الصرخة ولا غوث بعدها .. والآن وعبر إلهام لحظة المكاشفة لابد أن نعترف أن الطوق فى الأصل بأيدينا وبأيدينا نحجم عن صحوة النجاة .... عن شقاء النجاة !.. ما أروع ما فاض به قلمك أستاذ رمزى فليس أروع من أن يهبنا الأدب تماهى الفكر والشعور إلى هذا الحد المذهل .. نعم .. كل العواصم لا تجد لها مأوى سوى القلوب النازفة .. وطن مستباح أنت أيتها القلوب النبيلة بعد أن شرعت حصونك المنيعة أمام الليالي العنيدة !.. نعم سيدى وألف نعم .. فى عرف الليالي العنيدة جريرة القلوب لا تغتفر .. حتى فى شموخ الإعتراف والبوح لن تغتفر .. "فتحننى ما عدت أفصح فى غباء .. حين أعشق .. صبوتى ".. ولماذا نراهن على أنفسنا سيدى .. لماذا ونحن من فاض وغرق وذاب وتألم واعتصرت الأنواء ذاته !.. لماذا ننكر على أنفسنا أجمل ما فيها .. لماذا نتبرأ من أنقى وأصدق ما يسكننا وما ننتمى إليه .. كيف نسجن فطرتنا الأصدق أستاذى المبدع !.. "ضمى رمادى مثل قبر .. حين أبلغ فى النهاية غايتى".. وفى النهاية ومهما قست لغة القلب فهى لا تملك إلا أن تفيض حبًا وعتابا وتفانيا .. هذا هو شموخ القلب حين تضيع غايته الآزفة فيسمو بتوقه وآماله الجريحة نحو غايته الرحيمة .. تحياتى أستاذ رمزى حلمى لوقا شاعرنا المبدع دوما .. القصيدة رائعة .. رائعة .. وهذه الكلمات اليسيرة ما هى إلا محاولة تقدير ومعايشة لهذا الإحساس المتدفق والفكر الخلاق .. أصدق التقدير والتحية ..
تعليقات